مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
329
موسوعه أصول الفقه المقارن
إذا رأى الماء قبل صلاته الوضوءَ قبل دخوله في الصلاة وبعد دخوله كذلك ، ويرى مقولة : ( إنَّ فرض الوضوء يتغيّر بالدخول في الصلاة فعليه الدليل ) باطلة ، مستدلًا على ذلك بقوله : إن شَرَكَ بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما دلَّ على وجوب الوضوء ، فليس باستصحاب حال الذي ننكره ، ويذهبون إليه . وإن شَرَكَ بينهما في الحكم لاشتراكهما في علّته ، فهذا قياس . وإن شَرَكَ بينهما بغير دلالة ولا علّة ، فليس هو ، بأن يجمع بينهما بأولى من أن لا يجمع بينهما ، أو بأن يجمع بين المسألة وغيرها ؛ لأنَّ ذلك قياس بغير علّة . ويَستدلُّ على جواز الاستصحاب في الحكم الثابت عقلياً بقوله : فمثاله أن يقول القائل : المُتيمِّم المصلّي إذا لم يرَ الماء لم يلزمه الطهارة الأخرى ، ووجب أن يمضي في صلاته ، فكذلك إذا رأى الماء . وهذا يصحّ من وجه دون وجه . أمَّا الوجه الذي لايصحّ منه فهو أن يُسقط عنه طهارة أخرى لأجل سقوطها إذا لم يرَ الماء ؛ لأنَّ هذا جمع بين حالتين بغير دلالة ولا علّة . وأمَّا إذا أسقط عنه الوضوء بعد رؤية الماء ، لأنَّ إيجابه شرعي فلو كان ثابتاً لكان عليه دليل شرعي - وليس عليه دليل شرعي - فصحيح وإن عورض هذا ، فقيل : الأصل في الشرع وجوب الطهارة ، فلو سقطت عن الرائي للماء في الصلاة ، وهو مُتيمّم ، لكان عليه دليل شرعي ، لم يسلّم الخصم أنَّ الطهارة واجبة في كلّ حال . وإن رأى المتيمِّم الماء ، فإن استدلَّ على وجوب ذلك لعموم الخطاب ، كان استدلالًا بالعموم « 1 » . رُدَّ هذا : بأنَّه لا حكم للعقل في الشرعيات عند غير المعتزلة ، فغيرهم ( من السنّة ) لا يرون حجّية لحكم العقل في الأمور الشرعية ، فضلًا عن استصحابها « 2 » . القول الثالث عشر : حجّيته على المجتهد فيما بينه وبين اللَّه تعالى فقط يذهب هذا الرأي إلى أنَّه حجّة على المجتهد فيما بينه وبين اللَّه عزَّ وجلَّ ، فإنَّه لم يكلَّف إلَّاما يدخل تحت مقدوره ، فإذا لم يجد دليلًا سواه جاز له التمسّك به ولا يكون حجّة على الخصم عند المناظرة ، فإنَّ المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله : لم أجد دليلًا على هذا ، لأنَّ التمسّك بالاستصحاب لا يكون إلَّاعند عدم الدليل « 3 » . القول الرابع عشر : أنّه يصلح للدفع لا للرفع وبعبارة أخرى : يصلح حجّة للدفع لا للرفع ، وإليه ذهب أكثر الحنفية « 4 » ، قال إلكيا : ويعبّرون عن هذا بأنَّ استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان ، إحالةً على عدم الدليل ، لا لإثبات أمرٍ لم يكن ، وهذا قول أكثر المتأخرين « 5 » . هذا التفصيل يذهب إلى أنَّ الاستصحاب حجّة في دفع ونفي أي حكم في المورد الذي يخلو من الحكم بسبب انعدام الدليل ، فهو صالح للتعذير وليس حجّة لإثبات حكم لم يكن .
--> ( 1 ) . المعتمد 2 : 325 - 327 . ( 2 ) . ميزان الأصول 2 : 936 - 937 ، البحر المحيط 6 : 21 ، إرشاد الفحول 2 : 257 . ( 3 ) . إرشاد الفحول 2 : 256 ، وانظر : كتاب التلخيص في أصول الفقه 3 : 130 - 131 ، الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 171 ، البحر المحيط 6 : 18 . ( 4 ) . أصول السرخسي 2 : 224 - 225 ، ميزان الأصول 2 : 934 ، كشفالأسرار ( البخاري ) 3 : 662 . ( 5 ) . البحر المحيط 6 : 19 ، إرشاد الفحول 2 : 257 .